محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

234

الآداب الشرعية والمنح المرعية

يقال كما يتوخى للوديعة أهل الأمانة والثقة كذلك ينبغي أن يتوخى بالمعروف أهل الوفاء والشكر ، وكان يقال إعطاء الفاجر يقويه على فجوره ، ومسألة اللئيم إهانة للعرض ، وتعليم الجاهل زيادة في الجهل ، والصنيعة عند الكفور إضاعة للنعمة ، فإذا هممت بشيء من هذا فارتد الموضع قبل الإقدام عليه أو على الفعل . وذكر ابن عبد البر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم " 1 " أن الصنيعة لا تكون إلا في ذي حسب أو دين كما أن الرياضة لا تكون إلا في نجيب . وذكر ابن عبد البر في مكان آخر خمسة أشياء أضيع شيء في الدنيا : سراج يوقد في الشمس ، ومطر وابل في أرض سبخة ، وامرأة حسناء تزف إلى عنين ، وطعام يستجاد ثم يقدم إلى سكران أو شعبان ، ومعروف تصنعه عند من لا يشكرك . وفي التوراة مكتوب إفعل إلى إمرىء السوء يجزيك شرا ، وكان يقال : صاحب المعروف لا يقع فإذا وقع أصاب متكئا . وكتب أرسطو طاليس إلى الإسكندر : إملك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها ، وطلبك ذلك منها بإحسانك ، أدوم بقاء منه باعتسافك ، واعلم أنك إنما تملك الأبدان فتخطاها إلى القلوب بالمعروف ، واعلم أن الرعية إذا قدرت على أن تقول قدرت على أن تفعل ، فاجتهد أن لا تقول ، تسلم من أن تفعل . وقال معاوية رضي اللّه عنه ليزيد ابنه : يا بني اتخذ المعروف منالا عند ذوي الأحساب تستمل به مودتهم وتعظم في أعينهم ، وإياك والمنع فإنه ضد المعروف فإنه يقال حصاد من يزرع المعروف في الدنيا إغتباط في الآخرة . ذم أعرابي رجلا فقال : كان سمين المال مهزول المعروف . وقال الزهري أو الزبيري : من رزع معروفا حصد خيرا ، ومن زرع شرا حصد ندامة . قال الشاعر : من يزرع الخير يحصد ما يسرّ به * وزارع الشرّ منكوس على الرأس وقال ابن المبارك : يد المعروف غنم حيث كانت * تحملها شكور أو كفور ففي شكر الشكور لها جزاء * وعند اللّه ما كفر الكفور وقال الأصمعي : سمعت أعرابيا يقول : أسرع الذنوب عقوبة كفر المعروف . ولابن دريد وقيل أنه أنشدهما : وما هذه الأيام إلا معارة * فما اسطعت من معروفها فتزود فإنك لا تدري بأية بلدة * تموت ولا ما يحدث اللّه في غد

--> ( 1 ) رواه ابن عبد البر في بهجة المجالس ( 1 / 305 ) .